المقريزي

263

المقفى الكبير

وصلوا بالمال من الإسماعيليّة ببلاد المشرق ، فقبض عليهم وصلبهم . وعمّر بمنية زفتا جامعا كبيرا وفرشه وقرّر فيه خطيبا ومؤذّنين ، فصارت الجمعة تقام به . وبنى أيضا جامعا بواحات البهنسا ، فبلغت عدّة ما بناه واستجدّه من المساجد أحدا وأربعين مسجدا . وبنى بالقاهرة دار ضرب بالقشّاشين [ 210 أ ] [ وهي ] التي تعرف اليوم بالخرّاطين . ورتّب بداره قارئين يتناوبان قراءة القرآن الكريم ويصلّيان بمن في داره جماعة . ورتّب لها من الرسوم والكساوي شيئا جزيلا . [ تسهيله وصول الشكايات إليه ] وأمر بعمل ميقاط « 1 » حرير فيه ثلاث جلاجل . وفتح طاقة من سور داره . فإذا مضى شطر الليل وانقطع المشي دلّى الميقاط ، وهناك عدّة يبيتون تحته ، فإذا ظلم أحد في الليل جاء وشدّ رقعته في الميقاط وحرّكه ، فيرفع إلى المأمون . فإن كانت الرقعة مرافعة لم يمكّن البيّاتون من رفعها . وإن كانت ظلامة مكّن صاحبها من رفعها ، وعوّقه البيّاتون عندهم حتى يخرج الجواب . وحضرت كسوة عيد النحر ففرّقت ، وفرّقت رسومها على من جرت عادتهم بها . وجملتها سبعة عشر ألفا وستّمائة دينار . ونحر الخليفة بيده في الثلاثة الأيّام تسعمائة وستّة وأربعين رأسا . وبلغ المصروف على الأسمطة في الثلاثة الأيّام ، خارجا عن أسمطة المأمون بداره ، ألفا وثلاثمائة وستّة عشر دينارا وثمانية وأربعين قنطارا سكّرا برسم قصور الحلاوة ، والقطع المنفوخ . [ الاحتفال بعيد الغدير ] وجلس المأمون في ثالث يوم العيد بداره للراحة ، وحضر الأمراء لحوائجهم . فلمّا كان يوم عيد الغدير « 2 » هاجر إلى باب المأمون الضعفاء والمساكين من البلاد ، ومن انضاف إليهم من العوالّ والأدوان على عادتهم في طلب الحلال وتزويج الأيتام . وكان موسما يرصده كلّ أحد ، ويرتقبه الغنيّ والفقير . فجرى في معروفه على رسمه ، ومدحه الشعراء . ووصلت كسوة عيد الغدير ، وهي مائة وأربع وأربعون قطعة ففرّقت في أربابها ، ومعها رسومها ، وهي من العين سبعمائة وتسعون دينارا . وفرّق المأمون من ماله بعد الخلع عليه ألفين وخمسمائة وثمانين دينارا . فلمّا انقضى العيد خلع الخليفة على المأمون وقلّده بالعقد الجوهريّ في عنقه بيده . ومضى إلى داره فمدحه عدّة من الشعراء . وحضر إليه متولّي خزانة الكسوة الخاصّ بالثياب التي كانت عليه قبل الخلع ، فأعطاه الرسم على العادة وهو مائة دينار . ثمّ حضر متولّي بيت المال وصحبته صندوق ضمنه خمسة آلاف دينار برسم فكاك العقد الجوهر ، والسيف المرصّع ، ففرّفها . وركب الخليفة إلى قليوب ، ونزل بالبستان العزيزيّ لمشاهدة قصر الورد على العادة ، ففرّقت الصدقات في مسافة الطريق وعملت الأسمطة ، ثمّ عاد آخر النهار . [ احتياطه للحرائق بالمدينة ] فلمّا أهلّت سنة سبع عشرة [ 210 ب ] وخمسمائة جرى الرسم في غرّة العام [ بحمل ما يحضر من

--> ( 1 ) الميقاط : لم نجد الكلمة في المعاجم ، ويبدو من السياق أنّه حبل مختوم بوعاء . ( 2 ) أي 18 ذي الحجّة سنة 516 .